ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

241

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

فصل في آداب الصحبة وحقوق الأخوة في اللّه تعالى قال اللّه تعالى : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [ المائدة : 2 ] وقال تعالى : وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [ البلد : 17 ] وقال اللّه تعالى في وصف أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] . فهذه الآيات تنبيه من اللّه تعالى للعباد على آداب حقوق الصحبة ، فمن اختار صحبة أو أخوة ، فأدبه في ذلك أن يخص نفسه وصاحبه إلى اللّه تعالى بالمسألة والدعاء والتضرع ، ويسأله البركة في الصحبة ، فإنه يفتح على نفسه إما بابا من أبواب الجنة أو بابا من أبواب النار ، فإن كان اللّه تعالى يفتح بينهما خيرا ، فهو باب من أبواب الجنة ، قال اللّه تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ( 67 ) [ الزّخرف : 67 ] وقيل : إن أحد الإخوان في اللّه يقال له ادخل الجنة فيسأل عن منزلة أخيه فإن رآه دونه لم يدخل الجنة حتى يدخله معه ، فإن قيل له لم يكن يعمل مثل عملك فيقول : إني كنت أعمل لي وله ، فيعطى جميع ما يسأل لأخيه ويرفع أخاه إلى منزله ، وإن فتح عليهم بالصحبة شرا فهو باب من أبواب النار ، قال اللّه تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ( 27 ) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ( 28 ) [ الفرقان : 27 ، 28 ] فإن كانت الآية قد وردت في قصة مشهورة من اللّه تعالى تنبيها لعباده على الحذر من كل خليل يقطع عن اللّه ، [ أخبار الصحبة والأخوة اتفاق غير نية في ذلك ] « 1 » ويثبت في أول شأن أرباب الخلطة الجاهلين بالنيات والمقاصد والمنافع والمضار ، وقد قال عبد اللّه بن عباس في كلام له : وهل يفسد الناس إلا الناس . واعلم أن إخلاص المجبة فيها شائبة حظ عاجل وإحسان دائم ، فإن كان عليلا يزيل عنه ، ومن لا يستند في خلته إلا لعلة يحكم بدوام علته ، ومن شرط المحبة في اللّه إشارة لأخيه بكل ما يقدر عليه من الدين والدنيا ، قال اللّه تعالى : يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا [ الحشر : 9 ] أي لا يجدون إخوانهم على ما لهم فبهذا يكمل صفو المحبة ، وأن لا ينازع أحدهم أحد على شيء من أمر الدنيا والإيثار المقدور ، وفي الخبر عن سيد البشر عليه السلام : « المرء على دين خليله » « 2 » ، ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك كما يرى لنفسه ، وكان أبو معاوية الأسود يقول : إخواني خير مني ، فقيل له : وكيف ذلك ؟ قال : كل منهم يرى إليّ الفضل ومن فضلني على نفسه فهو خير مني .

--> ( 1 ) كذا بالأصل والجملة مضطربة . ( 2 ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، كتاب البر والصلة ، حديث رقم ( 7319 ) [ 4 / 188 ] وأحمد في المسند ، حديث رقم ( 8398 ) [ 2 / 334 ] ورواه غيرهما .